إفشال هجمات للحوثيين على مواقع الجيش الوطني بالبيضاء | البحسني يعلن موعد بدء الدراسة بكلية الشرطة بحضرموت | السفير السعودي لليمن يصل اليوم ألى العاصمة عدن | اشتراكي مأرب يحتفي بأعياد الثورة اليمنية والذكرى الـ 40لتأسيس الحزب |
اعلام
مقال السطر

عن الاشتراكي ورهاناته:جرد حساب
22/08/2018 11:45:13

أمين اليافعي

لا يُريد الاشتراكيون مواجهة الأسئلة الصعبة والحارقة والجذرية بخصوص مشروعهم السياسي، وتخبطهم المزمن، وكيف عادت عليهم تطورات السنوات الماضية بالكثير من الاخفاقات والانتكاسات والخيبات، فيستسلمون - عوضاً عن مواجهة تخبطهم بشجاعة - لمشاعر مضطربة من التضامن والتآزر الرفاقي المتهاوي والضامر باستمرار.
وفي صدد إثارة نقاش جذري وجاد، طرحتُ في منشوري السابق سؤالاً عن جدوى هنّدسة تكتل حزبي كـ"اللقاء المشترك" خصوصاً في ظل النتائج والتداعيات التي آل إليه المشهد اليمني، وفي الحقيقة فكل ما تحصلنا عليه من الرفاق كأجوبة على هذا التساؤل المركزي تتمحور في عدّة نقاط أو بالأصح عدّة رهانات: توسيع رقعة النضال السلمي، تكريس التعددية الحزبية، معارضة نظام صالح، وقف خطاب الكراهية والتحريض ضد أعضاء الحزب من قِبل رجال الدين وخطباء المساجد الإصلاحيين..
وبما إن السياسة تُقيّم بالنتائج، وليس بناء على الشعارات والنوايا الحسنة، خصوصاً فيما يتعلق بتحالفات واستراتيجيات أو تكتيكات يقيمها تيار معين وفق شغل سياسي خالص (فن الممكن)؛ فإن أهداف مثل توسيع النضال السلمي وتكريس التعددية الحزبية قد فشلت فشلا ذريعاً على ضوء ما يؤول إليه الواقع. صحيح إن هناك جملة من الأسباب تقف وراء هذا الفشل، ومن المنصف والموضوعي الإشارة إلى ذلك، لكن لا مناص في نهاية المطاف من الإقرار بأن هذا الرهان قد فشل تماماً، وتحولّت بعض من أطراف هذا التحالف إلى مستثمر كبير للحرب، دون أن تُقدّم أو تؤخر المواعظ البلاغية الباذخة لنخبة الاشتراكي عن ضرورة إلتزام خيار النضال السلمي  في تهذيب نزعات رفاقهم العنفية.
الهدف الثالث والمتمثل في معارضة نظام صالح ومحاولة إسقاطه، يُفهم منه، ووفق المحددات والمنطلقات الوطنية، أنه معارضة لسلوكيات سياسية سيئة أبرزها: الأستبداد، سوء الإدارء، الفساد والتوريث، ولم يكن الخصام مع صالح قائم على أساس دوافع ثأرية. لكن في حقيقة الأمر، وما أثبته الأحداث والمجريات والمواقف طيلة السنوات الماضية أن الخصام مع صالح كانت دوافعه ثأرية بحتة، وسلطوية تقليدية في صميمها ولا علاقة لها بأي مشروع وطني، وأنا هنا أعني موقف وسلوك اللقاء المشترك ككل، اللقاء الذي كرس الحزب الاشتراكي جهوداً مضنية في سبيل الترويج له باعتباره المشروع الوطني الوحيد والمنقذ، على الرغم من هزالة الصوت والتمثيل الاشتراكي داخل هذا التكتل.
بعد استبعاد صالح الشكلي عن السلطة، تم التطبيع تماماً مع نظامه ورجاله وقيمه، بل كان مسؤولو اللقاء المشترك أكثر انغماسا في سلبيات نظام صالح: سوء الإدارة، الفساد، التلاعب، وكأن قفزهم المتأخر إلى قارب "النظام التوافقي" قد جعلهم في عجلة من أمرهم لنهب ما يُستطاع نهبه، وإفساد ما يُمكن إفساده. وفي غمرة هذا التطبيع الشامل والكامل وصل الأمر إلى اعتبار أكثر رجالات صالح حقارة ودناءة شخصيات وطنية ورجال دولة ومواقفهم امتداد طبيعي وسلس لخط الحركة الوطنية!.. وأما حكاية معارضة التوريث فباتت نكتة سامجة جدا على ضوء ما نشهده من توريثات لا حدود له وعلى كل المستويات والمناصب في حكومة ما بعد 2011 حيث حظي اللقاء المشترك فيها بنصيبٍ وافرٍ.
لم يتبق في جعبة الأهداف التي تم الرهان عليها للدخول في تحالف اللقاء المشترك سوى الهدف الأخير: وقف تحريض الإصلاح ضد قيادات وأعضاء الاشتراكي التي كانت تنطلق من خلفية دينية. والهدف بالطبع مشروع لو نظرنا إليه من زاوية مسئولية المؤسسة تجاه أعضاءها، وتغاضينا عن تقييم نتائجه من منظور وطني أوسع.
فهل نستطيع القول بأن هذا الهدف هو الهدف الوحيد الذي تحقق من الدخول في التحالف مع حزب كالإصلاح؟ النظرة السطحية ستقول بكل تأكيد نعم، فبعد ولادة اللقاء المشترك غض الإصلاحيون الطرف عن الرفاق، ولهذا يتفاخر قيادات الاشتراكي بأنهم، ومن خلال هذه الخطوة العبقرية وكما يُقدّمونها، تمكنوا من اسكات مدري كم ألف إمام مسجد اعتادوا على جعل الاشتراكيين والاشتراكية وقود خطابهم التحريضي اليومي. لكن أخشى أن أقول بأن هذا الهدف/الرهان لم يكن حصيلة هذا الشراكة فقط، بل قد تكون هذه الشراكة السياسية  (المختلة تماما) لها دور بسيط في الموضوع، خصوصاً لو وضعنا في الاعتبار العامل الزمني الذي شهد تراجع ونكوص مستمر في التوجه العلماني للحزب، ليتحول إلى نموذج محلي يستطيع أن يتكيف مع كل الأشكال التقليدية، سواء الدينية أو الاجتماعية، وكانت شهادة عبدالمجيد الزنداني في مقابلة شهيرة مع قناة الجزيرة عن "التوبة النصوحة للاشتراكيين من أفكارهم الإلحادية في مقابل التحالف معهم مؤشر دال وواضح على هذا التراجع، وبمعنى آخر فإن الزمن وحده كان قادر على التكفل بمهمة إسكات خطباء المساجد بعد تحول الرفاق إلى كائنات لطيفة من وجهة نظر القوى التقليدية والدينية (بل لو أخذنا في الاعتبار تطورات السنوات الأخيرة، لكان الاشتراكي ليس بحاجة تماما إلى غض الطرف عنه من قِبل مطاوعة الإصلاح، فقد باتت سمعة الإصلاح نفسها في وضع مزري لدى قوى كثيرة).
فهل كان مشروع التحالف مع حزب كالإصلاح يستحق كل هذه التضحية، وهذا الثمن الباهض على المستوى الوطني في سبيل أهداف هي في حقيقتها مجرد سراب باهت؟
فوفق أي منطق أو منظور وطني يمكن أن نفهم تحالف حزب ذات خلفية مدنية علمانية مع قوة تقليدية بحتة، وتُهيمن عليها رؤية دينية متطرفة، وفي أعلى هرمها القيادي رجال دين كالزنداني وصعتر، وتُدير جامعة عليها مليون شبهة كجامعة الإيمان، ويقومون بإخراج مسيرات بعشرات الآلاف لمناهضة قوانين أساسية كتحديد سن الزواج للفتيات ومنع حمل السلاح وغيره؛ ثم أنك تتصور، أنه وبعد كل ذلك سيكون بمقدورك تقديم مشروع وطني مدني حديث؟ مثل هذه الفنتازيا لا أول لها ولا أخر!
وللأسف الشديد أن حزباً كالاشتراكي تم استخدامه كمبيّض لأشياء كثيرة بالطريقة التي يتم فيها تبييض الأموال غير المشروعة: تم تبييض القوى التقليدية والدينية المتطرفة وتحسين صورتها محلياً وعربياً ودولياً، ثم تم تبييض القضايا الوطنية الكبير بمعنى تم التلاعب بكل الحلول والمعالجات التي طُرحت في سبيل إيجاد حلول عادلة، وتم تبييض الفساد والنهب، ومن المضحك والمثير للسخرية أن انتقاد نظام صالح بالفساد كان لا يتوقف على مدار الساعة، بينما كان يتم غض الطرف كلياً عن فساد كبير جدا لقيادات المشترك لا يقل عن فساد نظام صالح، بل إنه في بعض المرات كانت المؤتمرات والندوات وكذلك وسائل الإعلام التي تُعقد وتُقام بهدف انتقاد فساد نظام صالح يتم تمويلها من جهات تحصل على أموالها بطرق غير مشروعة.

وبما إن تبعات السلوك السياسي تتعدى بكثير غاياته المباشرة المتمثلة في الوصول إلى السلطة وتحقيق البرنامج السياسي وتمثيل الفئات التي يمثلها المكوّن، بمعنى أن السلوكيات والمواقف هي في عمقها تكريس فعال وحيوي لعادات وثقافة ومنهج وتربية على المستوى الخاص (الحزبي)، وعلى المستوى العام (الوطني)، فإن ما كرسه الحزب من عادات وثقافة سياسية طيلة السنوات الماضية كانت ذات مردود سلبي وكارثي خصوصا وأنه ما يزال ينظر للحزب من قبل قطاع واسع كواحد من الرهانات الوطنية، لهذا كيف يُمكن لأولئك الذين تسامحوا، وبطيبة نفس لا محدود، مع كل هذا السقوط والتردي أن يتجرأوا على معاتبة رفاقهم وإبداء الاستغراب والامتعاض من إتزلاقهم إلى تأييد جماعة كهنوتية أو قوى قبيلة وعشائرية ومناطقية، فقد تم تعبيد هذا الطريق منذ سنوات طويلة وعلى أرفع المستويات، فكانت النتائج طبيعة جداً!
الآن لم يتبق أمام الحزب الاشتراكي – الذي بات منهكاً بصورة يُرثى لها على المستوى الفكري والتنظيمي – وأعضاءه سوى طريقان:
- اكمال مسيرة ما بدأوه منذ سنوات طويلة ومحاولة التكيف التام مع كل توعكات السياق المحلي، وهذا يعني أن الحزب سيختفي تماماً بعد مدةٍ قصيرة فلا أحد سيحتاجه ولو في سبيل تبييض مشروع أو موقف ماز
- تقديم مقاربة مختلفة لكل القضايا الكبيرة ومشروع جديد يسن قطيعة تامة مع الخيارات والإخفاقات والانتكاسات السابقة.
طبعاً الخيار الثاني سيكون في منتهى الصعوبة، ويحتاج إلى نضال عسير، وشجاعة وجرأة كبيرتين، في ظل تحديات داخلية وخارجية مهولة، لكن إذا توفرت الإرادة والتصميم الحقيقيان لن يكون هنالك مستحيلاً، ثم أنه مش معقول أن جماعة كجماعة الحوثي يقودها مراهقون استطاعت أن تقرأ الواقع وتستغل الظروف المحلية والإقليمية لتسجل حضورها بكل هذه القوة  أفضل من حزب عريق. وهنا قد يغرق البعض وكنوع من الدفاع  في الحديث عن تفاصيل كثيرة بهدف إظهار أن المقارنة لا تصح، وهذا صحيح ووجيه، لكن ما هو صحيح ووجيه أيضا أن هذه الجماعات استطاعت أن تحوّل الظروف والفوضى والارتباك إلى فرص كبيرة لصالحها مع إنها كانت تواجه تحديات داخلية وخارجية أكثر صعوبة، وامتلكت، وما زالت، جرأة وتصميم بلا حدود، لتُحقق أهدافها في غضون زمن قصير، وربما لم تكن تحلم، وإلى قبل سنوات قليلة، بأنها ستُحقق ذلك ولو بعد نصف قرن. فماذا لو أن حركة ذات غايات وطنية وتهدف إلى إحداث تغيير حقيقي أمتلكت كل هذه الجرأة والتصميم والإرادة؟

من صفحة الكاتب على الفيسبوك



المزيد من : مقالات